علي بن أحمد المهائمي

18

مشرع الخصوص إلى معاني النصوص ( النصوص في تحقيق الطور المخصوص )

إلى غير ذلك من المواضع الصريحة وغيرها . ومنها ما قال إمام العلماء فخر الدين الرازي ، في « شرح أسماء اللّه تعالى » ، في الفصل السادس من المقدمات في الكلام ، على قوله : أعوذ بك منك : وفيه لطائف : الأولى : معناه أنه لو كان هاهنا غيرك لا ستعذت به خوفا منك ؛ لكنه ليس في الوجود إلا أنت ، فلا استعذت منك إلا بك . ثم قال في تفسيره هو : فأما لفظ هو ، فهو نصيب المقربين السابقين ، الذين هم أرباب النفوس المطمئنة ؛ وذلك لأن لفظ هو إشارة ، والإشارة تفيد تعيين المشار إليه ، بشرط أن لا يحضر هناك شيء سوى ذلك الواحد ، فأما إن حضر هناك شيئان ، لم تكن الإشارة وحدها كافية في التعيين ، والمقربون لا يحضر في عقولهم وأرواحهم موجود آخر سوى الأحد الحق لذاته ، واعلم أن الحق هو الموجود ، والباطل هو المعدوم . ثم قال : فإذا كل ممكن فهو من حيث هو باطل وهالك ؛ ولهذا قال اللّه تعالى : كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [ القصص : 88 ] ، ولهذا المعنى يقول العارفون : لا موجود في الحقيقة إلا اللّه . ثم قال في تفسير الحق ، في تأويل قول الحلاج : « أنا الحق » « 1 » : إنّا بينا بالبرهان النيّر ،

--> ( 1 ) قال الشيخ الشعراني نقلا عن الشيخ الجيلي : قوله عن الحلاج : وإن لم يكن من أهل الاحتجاج ، إنما لم يجعله الشيخ من أهل الاحتجاج ؛ لأنه لما تحدى ، وقال : أنا الحق ، قتله سيف الشريعة ، فلو امتنع بمقتضى صفات الحق لم يستطع أن يقتله أحد ، فكانت تثبت حجته وتصح دعواه ، كما قال أبو يزيد : سبحانه ما أعظم شأنه وأعز سلطانه وحمى نفسه أن يسطو عليه أحد لقوة حاله ، فأقام حجته ، وكذلك وقع للشيخ عبد القادر وغيره نحو ذلك ، وحموا نفوسهم ، فكان الحلاج دون هذه المرتبة ، وإن كان على الحق ؛ ولهذا أخذته سيوف الشريعة ولا مؤاخذة على من قام عليه ؛ لأنهم قاموا بالحق ولو كان حقه أعلى من حقهم ، ونهاية الأمر أن الذين فعلوا هذا الفعل إذا ظهرت عليهم الحقائق نكسوا رؤوسهم وآمنوا بقوله ، ولولا الحقيقة ما أخذته الشريعة ؛ وذلك لأنه طلب ظهوره بالربوبية في عالم العبودية ، وذلك أعز من وجود النار في قعور البحار ، أطلقه لسان الوقت على قيد الهيكل الجثماني ؛ ليتحقق بما ادعاه في العالم اللائق بتلك الدعوى عليه ما جرى غيره من الحقائق على الحقائق ؛ لئلا يدعى هذا المقام من ليس له ذلك ، ولو كان الحلاج متحققا بذلك كمال التحقيق كما كان غيره عليه من الكمال ؛ لا متنع بحق صفات الربوبية عن تلك القتلة كما امتنع غيره ، فكان الحلاج على بينة من اللّه ، ولكن لم يكن له شاهد تلك البينة ، فعجل وتكلم قبل التمكن في المقام ،